د. حيدر علي الاسدي (ناقد واكاديمي عراقي) تمتاز الاعمال الدرامية الخليجية بصفتها الاجتماعية التي تتناول قضايا متنوعة ومختلفة في بنية المجت...
د. حيدر علي الاسدي (ناقد واكاديمي عراقي)
تمتاز الاعمال الدرامية الخليجية بصفتها الاجتماعية التي تتناول قضايا متنوعة ومختلفة في بنية المجتمع العربي في المنطقة الخليجية لذا دخلت تلك الاعمال الى ذاكرة المتفرج الخليجي نظرًا لطبيعتها من حيث ( الحكاية) و (الحوار) وبناء الشخصيات بما يتوازن وموضوعية الواقع المجتمعي الخليجي ومنها بالتأكيد الاعمال القطرية فمنذ تأسيس تلفزيون قطر في اغسطس 1970 قدم الى المشاهد الخليجي العديد من الاعمال الخليجية الهادفة والكوميدية والناقدة لمنظومة المجتمع بما فيه من سلبيات وتمظهرات وساعية لتصويب تلك السلبيات من خلال تسليط الضوء على العديد من القضايا الحياتية اليومية برسالة الفن الهادف الملتزم، ودون شك ان الميديا في قطر في تطور كبير وقفزات نوعية عالية منذ ذلك الوقت وحتى الان بما فيها القطاعين الحكومي والخاص فهو الأكثر تناميًا في المنطقة منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة وهذا ما يؤشر الخطوات الصحيحة لبناء الاعلام والفن في قطر ، اذ قدمت قطر العديد من اعمال الدراما الاجتماعية وفي السنوات الأخيرة ومنها (بعد الشتات) من تأليف وداد الكواري وإخراج احمد يعقوب المقلة ، وعمل ( يوم اخر) و(حكم البشر) و(عندما تغني الزهور) و(عفوا سيدي الوالد) و(بطال الرمال) و(أحلام البسطاء) واغلب تلك الاعمال تتناول قضايا الاسرة والمشاكل الزوجية باطر اجتماعية إنسانية عائلية اذ تستعرض الهموم اليومية للفرد الخليجي الا ان العمل الأبرز في ذاكرتنا يبقى هو (فايز التوش) والذي قدم لأول مرة في تلفزيون قطر المحلي وبعد النجاح الذي حققه تم عرضه بقنوات خليجية متعددة ومنها (تلفزيون الكويت) وقناة أبو ظبي وكان العرض الأول للعمل سنة 1984 ونحن في العراق كنا قد شاهدنا العمل على تلفزيون الكويت بخاصة نحن في البصرة بحكم القرب من الكويت كنا ننتظر بشغف تحول الطقس الى (رياح جنوبية شرقية/ شرجي) ليظهر لنا تلفزيون الكويت لان الأجهزة التي كانت تظهر القنوات الفضائية كانت محظورة لدينا في العراق ولسنوات طويلة حتى عام 2003 ، لذا بقي بذاكرتنا العمل القطري الأهم ( فايز التوش) والمتكون من خمس أجزاء ناقش خلالها العديد من القضايا الاجتماعية ماعدا الجزء الأخير (الخامس) الذي انتجته قناة أبو ظبي تحت مسمى (التوش منكم ولكم) ولم ينل النجاح كبقية الأجزاء،وفايز التوش من قصة وسيناريو وحوار غانم السليطي (الجزء الاول وحتى الخامس) اما (حمد الرميحي) من الجزء الاول وحتى الثالث ، بينما محمد طه في الجزء الرابع، وكانت حلقات المسلسل الاكثر انتشارًا ناقشت عناوين مهمة ومنها ( الرشوة/ الخبير العربي/ العلاج بالخارج/ السفر/ الواسطة/ البيروقراطية/ الاستهلاك والمظاهر....) وضم الجزء الاول 15 حلقة عام 1984 وكانت بموضوعات مهمة وجوهرية : ((الهندي، رجل الاعمال، العمالة الاسيوية، حبلة، الفراغ، الشيلة، اه يا بيروت، زواج بالدفة، الحموات، الخبير، المدير الطيب، الصدمة الحضارية، النفاق، حب المظاهر) والجزء الثاني كان 1985 وضم 22 حلقة بينما الجزء الثالث كان عام 1988 وضم 27 حلقة والرابع كان 1999 وضم 30 حلقة بينما الخامس عام 2000 وتكون من 30 حلقة، وبصراحة كان هذا العمل الدرامي يمثل الجرأة الكبيرة في الفن لطرح القضايا الادارية والاجتماعية والنفسية بهذا الانفتاح والنقد المباشر الملامس للواقع فهو كوميديا سوداء رغم انه يحمل معه استقلالية منفصلة لموضوعات الحلقات، وكان قد قدم رؤية استشرافية للمستقبل في قضايا مجتمعية عديدة من خلال ما قدمه من موضوعات بمعالجة درامية اقرب للكوميديا النقدية الساخرة ، ومن ابرز الممثلين الذين شاركوا بهذا العمل هم (هدية سعيد، باسمة حمادة، غازي حسين ، لطيفة المجرن، فخرية خميس، هلال محمد، زينب العسكري، صلاح الملا، فرح علي، فالح فايز، عبدالله حامد، عبدالناصر درويش) وساهم بإخراجه عبدالمجيد الرشيدي ، وناصر موافي واحمد اسماعيل واشرف شحاتة ،فقد شارك بالتمثيل عدة ممثلين من قطر ، والبحرين والكويت والعراق، والامارات والسعودية ، ومصر واليمن والسودان ،ولابد من الاشارة الى ان ثمة عدد من الممثلات العراقيات اللواتي شاركن في هذا المسلسل ومنهن : (سليمة خضير، التفات عزيز، افراح عباس) وان من أسباب نجاح هذا العمل الفني ومنحه كل هذا الحضور التاريخي التوثيقي والتأثير المهم على المتفرج العربي لان المحطات كانت آنذاك (أرضية) ولم تكن هناك قنوات فضائية ، فضلا عن حميمية العمل الاجتماعي مع الجمهور الخليجي من خلال تقديم الموضوعات الحياتية اليومية طريقة بسيطة من التمثيل الممتع والهادف والملتزم دون أي تهريج او اسفاف فقد كانت الحلقات تقدم بطريقة ممتعة تتناول العديد من القضايا المجتمعية ونقد السلبيات في المجتمع وكذلك السلبيات في طبيعة الشخصية الخليجية بهدف تحقيق التصالح مع الذات وتعزيز الصدق في حياة الانسان والمجتمع دون تكلف او زيف، وكان اجمل ما يظهر في هذا العمل هو اغنية شارة مسلسل فايز التوش للشاعر عبدالرحمن رفيع والملحن عبدالعزيز ناصر ويؤديها غانم السليطي وعبد العزيز جاسم، كل هذه السمات جعلت هذا العمل الفني يشكل حضوره اللائق في ذاكرة المشاهد الخليجي حتى بعد مرور سنوات طويلة الا ان بريقه لا يمحى بسهولة رغم انتاج العشرات بل المئات من الاعمال الخليجية في هذه السنوات وفي ظل تطور أدوات الإنتاج والتصوير والإخراج الا ان هذا العمل القطري سيبقى محفورًا في ذاكرة المشاهد في المنطقة العربية برمتها هو يدل على ان العمل بإخلاص وتصالح مع الذات ينتج اعمالًا هادفة تخرج من القلب فتدخل الى قلوب الجمهور دون استئذان او تكلف لأنه: باختصار استطاع ان يجمع العرب في عمل فني واحد وهادف.
