عيناك والنخل الغريب: ترتيلة الغياب في محراب سعدي يوسف قراءة انطباعية تأويلية في قصيدة "انشغالات الفيروس" للشاعر علي الستراوي ح...
عيناك والنخل الغريب: ترتيلة الغياب في محراب سعدي يوسف
قراءة انطباعية تأويلية في قصيدة "انشغالات الفيروس" للشاعر علي الستراوي
حمزة فيصل المردان - العراق - بابل
-في مرثيته الباذخة بالوجع، لا يكتب الشاعر
- علي الستراوي :- قصيدة رثاء تقليدية للراحل الكبير / سعدي يوسف\ بل يشيّد محراباً من طين العراق ونخله، يستحضر فيه روح "الأخضر بن يوسف" في لحظة رحيله التراجيدية. النص ينتمي إلى "شعرية الفقد" التي لا تبكي الميت، بل تبكي الغربة والوطن والذاكرة المستباحة، مستعيناً بلغة مشحونة بالرمزية والانطباعات البصرية والوجدانية العميقة.
نص القصيدة: انشغالات الفيروس
علي الستراوي
- { على مآذن الباسقات من نخل العراق
كنت ياسعدي تعالج الألم بالبوح
وتخيط الذاكرة بمعول الكادحين
بينك وبين فاطمة سر حكاية الزمن
وعنفوان الشباب فوق اسطح البيوت
سافرت وكنت الغريب عن البلاد
والأسير بين جبانتين لا تلتقيان بالفرح
سافرت قبل قرع نواقيس الجنوب
وقبل انحدار عذوق النخل بالرطب
لإن البلاد بعدت …
وجسدك ظل على سارية الأسر وحيدا
يئن في زمن الفيروس .. وينشغل بالوجع ..
وبو طن لايغيب عن انشغالات جروحك النابضة } -
تقسيم النص حسب اكتمال المعنى لنقده
١ -(على مآذن الباسقات من نخل العراق
كنت ياسعدي تعالج الألم بالبوح
وتخيط الذاكرة بمعول الكادحين...)
يفتتح الستراوي نصه بضربة بصرية مكثفة، حيث يربط بين "المآذن" و"النخل الباسقات"، وهو ربط تأويلي يضفي قدسية على النخلة العراقية، ويجعل من فضاء العراق محراباً شعرياً. في هذا الفضاء العالي، يظهر سعدي يوسف ليس كشاعر راحل، بل كـ "مُعالج" يداوي جرح الغربة بـ "البوح" (الشعر).
فاستخدام استعارة (تخيط الذاكرة بمعول الكادحين) هو ذروة الجمال في هذا المقطع؛ فالكتابة هنا ليست ترفاً، بل هي عمل شاق يشبه كفاح العمال. "المعول" الذي يهدم عادةً، يصبح عند سعدي أداة لـ "الخياطة" ولمّ شتات الذاكرة الممزقة. هذا التضاد الإيجابي يبرز انحياز الشاعر الراحل الدائم للطبقة الكادحة.
٢ - ( بينك وبين فاطمة سر حكاية الزمن
وعنفوان الشباب فوق اسطح البيوت ...)
ينتقل النص هنا من الفضاء العام (العراق/ النخل) إلى الفضاء الوجداني الخاص. تبرز "فاطمة" كرمز شعري مراوغ؛ قد تكون الحبيبة الأولى، أو رمزاً للوطن الأم، أو "عشتار" السومرية المتجددة. إنها "سر حكاية الزمن" التي تختزل عنفوان الشباب الذابل في المنافي، وصورة "أسطح البيوت" تعيدنا إنطباعياً إلى بساطة الحارة العراقية القديمة، واستدعاءً لزمن الطهر الثوري والوجداني.
يتميز هذا المقطع بـ "الشفافية العاطفية"؛ فالشاعر يستنطق النوستالجيا (الحنين إلى الماضي) ليعيد ترميم جسد سعدي يوسف الشاب، كإجراء دفاعي ضد الموت والشيخوخة والمرض الذي اختطفه في نهاية المطاف.
٣ - ( سافرت وكنت الغريب عن البلاد
والأسير بين جبانتين لا تلتقيان بالفرح
سافرت قبل قرع نواقيس الجنوب
وقبل انحدار عذوق النخل بالرطب...)
يتحول الإيقاع هنا إلى تفعيلة مريرة ترصد عمق النفي. سعدي لم يسافر اختياراً، بل "أُسِر" بين "جبانتين" (مقبرتين أو غربتين) مجازيتين حرمتاه من الفرح. التوقيت هنا يحمل دلالة تأويلية حزينة: (سافرت قبل قرع نواقيس الجنوب/ وقبل انحدار عذوق النخل بالرطب). إنه رحيل مبتور، رحيل في غير أوانه، قبل أن يثمر النخل، وقبل أن تدق أجراس العودة أو الخلاص.
الصورة هنا تفيض بـ "الحسرة التراجيدية". الستراوي يبكي "التوقيت"؛ فالموت في المنفى يحرم الشاعر من مكافأته الأخيرة: رؤية رطب العراق وسماع نواقيس جنوبه. الجمل الشعرية متلاحقة وموجعة، ترسم مفارقة حادة بين عطاء النخل الحتمي (انحدار العذوق) وموت الشاعر غريباً.
٤ - ( لإن البلاد بعدت …
وجسدك ظل على سارية الأسر وحيدا
يئن في زمن الفيروس ..
وينشغل بالوجع ..
وبو طن لايغيب عن انشغالات جروحك النابضة...)
يصل النص إلى ختامه، ليربط بين البُعد الجغرافي للوطن (لأن البلاد بعدت) والوضع الوبائي الذي مات فيه الشاعر (زمن الفيروس). "سارية الأسر" هنا هي سرير المشفى اللندني في بلاد الغربة. لكن التأويل الأجمل يكمن في المفارقة بين "انشغالين": انشغال الجسد المريض بالوجع والفيروس، وانشغال الروح بالوطن الذي يرفض أن يغيب عن الجروح النابضة.
ينهي الستراوي قصيدته بنهاية مفتوحة على الخلود. فرغم أن الفيروس والوجع احتلّا جسد سعدي يوسف، إلا أن "الوطن" ظل هو الانشغال الأكبر والأعمق. النص في مقطعه الأخير ينجح في تحويل الموت البيولوجي للشاعر إلى انتصار شعري؛ فالوطن ينبض داخل الجرح، والجرح لا يموت طالما ظل الشعر حياً.
فقد نجح علي الستراوي في هذه المرثية في تقديم نص مكثف، تخفف فيه من البكائية المباشرة لصالح الصورة الشعرية المبتكرة (خياطة الذاكرة بالمعول، سارية الأسر، انشغال الجرح). لقد جعل من غياب سعدي يوسف استمراراً لقصيدته، وأثبت من خلال هذا الانطباع التأويلي أن الشاعر الكبير، وإن غيبه الفيروس في منافيه البعيدة، يظل مغروساً كالنخلة الباسقة في وجدان الثقافة العربية
