ندوة ثقافية داخل كنيسة سيدة البشارة الكلدانية عن المسرح الكنسي في البصرة خاص/ زين العابدين عبدالمطلب /البصرة نظمت كلية الفنون الجميلة في...
ندوة ثقافية داخل كنيسة سيدة البشارة الكلدانية عن المسرح الكنسي في البصرة
خاص/ زين العابدين عبدالمطلب /البصرة
نظمت كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة وبالتعاون مع كنيسة سيد البشارة (ابرشية البصرة الكلدانية) ندوة ثقافية بعنوان (تاريخ المسرح الكنسي في البصرة) وذلك مساء يوم الخميس 20 اب 2026 وحاضر فيها التدريسي في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة الاستاذ المساعد فرزدق سعدي سالم وادار الندوة الدكتور طالب هاشم بدن واقيمت الندوة داخل كنيسة سيدة البشارة الكلدانية وافتتحت الندوة بكلمة المطران حبيب النوفلي راعي أبرشية الكلدان في البصرة والمنطقة الجنوبية والذي تحدث عن احتضان الكنائس للأنشطة الثقافية والفنية ومنها الفن المسرح بوصفه من اللغات التعبيرية التوعوية التي تسهم بتقديم الوعي والتنوير للمجتمع بقضايا الانسان والحب والسلام والتعايش والإصلاح وهذه المفاهيم تتلاقى مع المفاهيم الدينية في بناء الانسان ، وأوضح بان الكنيسة كانت سباقة في العراق بتقديم العديد من العروض المسرحية في محافظات بغداد والموصل والبصرة وعلى امتداد تأسيس تاريخ المسرح في العراق كانت الريادة خرجت من معطف الكنيسة، وبعدها تحدث مدير الجلسة التدريسي في كلية الفنون الجميلة الدكتور طالب هاشم بدن عن بدايات تأسيس المسرح الكنسي في العالم والوطن العربي والعراق والبصرة على وجد التحديد وقدم سيرة موجزة للمحاضر الأستاذ المساعد فرزدق سعدي سالم والذي تناول بمحاضرته خلال هذه الندوة محاورة مهمة تتصل ببدايات المسرح الكنسي اذ افتتح ورقته البحثية بالتطرق إلى انبثاق الفن المسرحي من الاناشيد والاحتفالات الدينية في الحضارة الاغريقية ومن ثم تطور الفن المسرحي وأصبح له شكل فني معين ومع مجيء الدين المسيحي وانتشاره في أوروبا لاسيما في روما في القرن الخامس الميلادي، نظروا إلى الحياة نظرة سمو روحي لذلك رفض الفن المسرحي ونظروا اليه نظرة ازدراء آنذاك كونه يحط من قيمة الإنسان ويدعو للمجون واللهو والترف بحسب ما كانوا يروه في تلك الحقبة، لذلك حرمت الكنيسة الفن المسرحي ومنعته تماما، ولكن مع تزايد أعداد الداخلين في الدين المسيحي، لجأ بعض رجال الدين إلى تمثيل بعض المشاهد من الكتاب المقدس لتعزيز قيم الدين النبيلة والتركيز على تعليم الفضائل ومن هنا كان ولادة شكل مسرحي جديد يدعى المسرح الكنسي ، وتابع سعدي : بالنسبة للمسرح الكنسي في العراق فأول مدينة احتضنت هذا المسرح كانت الموصل في نهاية القرن التاسع عشر بفعل الطلبة الذين ارسلتهم الكنائس هناك إلى أوروبا لاسيما فرنسا، ومن بعدها تحول هذا النوع من المسرح إلى بغداد في بدايات القرن العشرين ومن ثم بعد عدة عقود نشأ في البصرة ابان ثلاثينيات القرن العشرين، وقدمت العديد من الفرق المسرحية الشبابية في البصرة العروض المسرحية داخل فضاء الكنيسة وكانت تقام تلك العروض خلال طقوس القداس وتستغل من فضاء الكنيسة كمكان للعرض مع الديكور والمذبح والاشارات الطقسية والروحية داخل هذا المكان ولكنها كانت تجارب بملامح مسرحية نسبيًا وبدأت تتلاشى للأسف الشديد في السنوات الأخيرة فربما يعود اخر عرض للمسرح الكنسي في البصرة الى ما قبل ثمان سنوات، وان كانت هناك محاولات فهي محاولات فردية ليست مؤسساتية ناضجة او منظمة،
كما تناولت الندوة أيضا ماهية المسرح الكنسي كشكل فني ومضمون فكري، فمن حيث الشكل الفني اعتمد المسرح الكنسي كالمسرح عامة على التقنيات المستخدمة فيه وتوظيفها من قبل الممثلين ولكن كانت هذه التقنيات من إضاءة وديكور وازياء وموسيقى تتمتع بخصوصية معينة تتلاءم مع المضمون الفكري للمسرح المنبثق من العقيدة الدينية المسيحية، اما المضمون الفكري للمسرح الكنسي فهو مرتبط بفكرة صراع الخير مع الشر او الفضيلة مع الرذيلة، بحيث يصور لنا الأنبياء والاتقياء والصالحين وهم يتحدون اشرار الظالمين الذين يحاولون النيل من القيم النبيلة، ولكن الأنبياء واتباعهم الصالحين منتصرين لا محالة بفعل تأييدهم من لدن الله سبحانه وتعالى.
ونوه سعدي بقوله : في الموصل كان هناك معلمين واساتذة في مدرسة الاكليركية يقدمون تمثيليات دينية ودنيوية على مسرح مدرستهم خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ففي عام 1890 قدم القس نعوم فتح الله السحار في مدرسة الاباء الدومنيكان بالموصل خمس مسرحيات أعدها وأخرجها بنفسه، ثم ألف القس سليمان موسى مسرحية "الدرة الحقيقية" وجرى تقديمها في معهد شمعون الفا الكهنوتي في الموصل، وقد اهتم الاكاديمي العراقي الدكتور علي الربيعي بالتوثيق لذلك واصدر كتابًا متخصصًا عن الموضوع بعنوان (المسرح المسيحي في العراق) اذ حاول المؤلف توثيق العروض التي قدمت من قبل الطائفة المسيحية تأليفا وترجمة وتمثيلا واخراجا من اول عرض عام 1874م لرواية (يوسف الصديق ) في بغداد.
اما بخصوص ظهور ونشوء المسرح الكنسي في البصرة ختم الباحث فرزدق سعدي حديثه بقوله: قدمت مسرحية في كنيسة العشار عام 1935 وسنة 1948 قدمت مجموعة من الشباب من الطائفية الانجيلية مسرحية السيد المسيح في البصرة وهناك بين فينة واخرى تظهر مسرحيات موسمية تعرض في اعياد الميلاد والقيامة ويشرف عليها القسسة الكلدان وعام 2008 اسس مجموعة من الشبان المسيح المثقف الهاوي للمسرح من الكلدان فكرة تقديم مشاهد تمثيلية دينية ليتورجية وقدمت كنيسة العذراء للسريان الارثوذكس مسرحية دينية بعنوان المحكمة سنة 2009 وكانت من تأليف واخراج راعي الكنيسة الاب سمعان خزعل كصكوص وتمثيل عدد من خدام الكنيسة وعام 2014 قدم فريق شبيبة مسيحو البصرة مسرحيتين الاولى مسرحية مار فرام من اعداد الاب بسمان جورج واخراج الاب ارام بانو ، وفي ذات العام قدمت مسرحية (درب الصليب) اعداد الاب ارام بانو وقدمت في كنيسة الام تيريزا بمناسبة الشهر المريمي ، ولكن للأسف بات هذا لمسرح في تراجع في البصرة بفعل هجرة الاخوة المسيح ودخول التكنولوجيا الحديثة وعدم الاهتمام بالفن المسرحي كوسيلة تعبيرية مؤثرة فاعلة.
وبعد ذلك تحدث الاكاديمي والفنان الدكتور طالب هاشم بدن عن بداية جذور هذا المسرح في العراق مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مدينة الموصل على يد الرهبان وطلبة المدارس المسيحية اذ كانت هذه العروض عبارة عن مسرحيات دينية وعظية ارشادية مستوحاة من الكتاب المقدس اذ قُدمت في قاعات الكنائس كبداية أولى لفن التمثيل قبل نشوء المسرح الحديث كما تعود البدايات والريادة من خلال عرض مسرحية (يوسف الصديق) التي قُدمت عام 1874 وتعد من أوائل العروض المسرحية الموثقة في الموصل والتي قدمها طلبة مدرسة اللاتين وأيضا هناك مسرحية (شموني وأولادها السبعة) قُدمت عام 1882 على قاعة مدرسة الكلدان في الموصل، ولم يقتصر على الموضوعات الدينية المستلهمة من الكتاب المقدس بل كانت هناك موضوعات أخلاقية وتربوية تتصل بالسلوك الإنساني تكتب من قبل القسسه والقائمين على الكنائس لبث الوعي الأخلاقي وتعزيز الصفات الإنسانية لدى افراد المجتمع.
ثم استعرض الناقد والاكاديمي الدكتور حيدر علي الاسدي بدايات انبثاق المسرح من الطقوس الدينية واحتضان الكنيسة للمسرح في القرون الوسطى وأشار الى مفاهيم (مسرحيات الاسرار، الالام ، المعجزات، المسرحية الأخلاقية) واتصالها بالمضامين الفكرية لهذا المسرح ، وارتكاز المسرح الكنسي على ثنائية (الفضيلة/ الرذيلة) (الخير/الشر) ثم تحدث عن أهمية رسالة ماجستير كتبت في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة للباحث (مصطفى عبدالجليل حمود) وكانت عن المقاربات الاخراجية في عروض المسرح الكنسي في العراق وتناول خلال تطبيقاته العروض المسرحية في كنائس الموصل وبغداد والبصرة ، وأشار الاسدي الى ان رواية لطيف و خوشابا تعد أول نص مسرحي يُنشر في العراق والتي إستخرجها من الفرنسية الكاتب نعوم فتح الله السحّار أحد المعلمين في مدرسة الآباء الدومنكيين في الموصل سنة 1893 ميلادية، وان هذا النوع من المسرح يتخذ من روحية المكان (الكنيسة) كفضاء جمالي وفكري لتقديم عروضه ، وانه تلاشى في السنوات الأخيرة لأسباب عدة ومنها حلول الميديا الجديدة والتقنيات المعاصرة وضعف الاقبال على المسرح. وختمت الندوة بالتوصيات والمقترحات والآراء والملاحظات حول أهمية المسرح في بث رسائل التوعية والتنوير لعموم المجتمع.
