بين الانسحاب من اوبك وزيادة الحصة الإنتاجية... أيهما يخدم الاقتصاد العراقي؟ د.ميثم البصري أستاذ اقتصاديات الطاقة وأسواق النفط العالمية تصا...
بين الانسحاب من اوبك وزيادة الحصة الإنتاجية... أيهما يخدم الاقتصاد العراقي؟
د.ميثم البصري
أستاذ اقتصاديات الطاقة وأسواق النفط العالمية
تصاعدت خلال الآونة الأخيرة الدعوات المطالبة بإعادة تقييم علاقة العراق بمنظمة أوبك، بين من يرى أن الانسحاب من المنظمة سيمكن العراق من استثمار كامل طاقته الإنتاجية وتعظيم إيراداته النفطية، وبين من يدعو إلى الحفاظ على العضوية والعمل على زيادة الحصة الإنتاجية من داخل المنظمة. ويطرح هذا الجدل سؤالًا محوريًا: أي الخيارين يحقق المصلحة الاقتصادية للعراق بصورة أفضل؛ الانسحاب من أوبك أم إعادة التفاوض على حصته الإنتاجية؟
من الناحية الاقتصادية، يصعب الدفاع عن خيار الانسحاب في ظل استمرار الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على الإيرادات النفطية. فالمقارنة مع تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تُطرح أحيانًا بوصفها نموذجًا يمكن الاحتذاء به، لا تبدو دقيقة بسبب الاختلافات الجوهرية في هيكل الاقتصادين. فبين عامي 2005 و2025 لم تتجاوز مساهمة الإيرادات النفطية في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات نحو 20%، في حين بلغت في العراق نحو 47%، كما يعتمد العراق على النفط في تمويل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة. ويضاف إلى ذلك ارتفاع سعر التعادل المالي للنفط في العراق إلى نحو 92 دولارًا للبرميل، مقارنةً بنحو 49 دولارًا في الإمارات، الأمر الذي يجعل المالية العامة العراقية أكثر حساسية لأي انخفاض في الأسعار العالمية.
وفي ظل هذا الواقع، فإن أي زيادة أحادية في الإنتاج خارج إطار التنسيق مع أوبك قد تؤدي إلى زيادة المعروض العالمي، ومن ثم الضغط على الأسعار. وبالنسبة لاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على العوائد النفطية، فإن انخفاض الأسعار غالبًا ما يؤدي إلى خسائر مالية تفوق المكاسب المتحققة من زيادة الصادرات، وهو ما ينعكس في اتساع العجز المالي، وزيادة الحاجة إلى الاقتراض، وتراجع الإنفاق الاستثماري.
وتؤكد التجارب التاريخية في أسواق النفط هذه الحقيقة. فقد شهدت الأسواق أربع حروب أسعار رئيسية ارتبطت بفائض المعروض؛ ففي عامي 1985–1986 انخفضت الأسعار بنحو 60%، وفي عامي 1997–1998 تراجعت بنحو 50% نتيجة زيادة الإنتاج وتداعيات الأزمة المالية الآسيوية. كما أدى تمسك كبار المنتجين بمستويات إنتاج مرتفعة خلال الفترة 2014–2016 إلى هبوط الأسعار بنحو 75%، بينما شهد عام 2020 واحدة من أعنف الأزمات في تاريخ الصناعة النفطية، عندما انهار الطلب العالمي بالتزامن مع فشل اتفاق أوبك+، فسجل خام غرب تكساس الوسيط سعرًا سالبًا بلغ (-37.63) دولارًا للبرميل لأول مرة في التاريخ.
إلا أن رفض خيار الانسحاب لا يعني القبول باستمرار الحصة الإنتاجية الحالية دون مراجعة. فالعراق يمتلك مبررات قوية للمطالبة بزيادة حصته داخل أوبك، سواء من الناحية الفنية أو الاقتصادية أو التاريخية. فمن جهة، ارتفعت طاقته الإنتاجية بصورة ملحوظة نتيجة الاستثمارات الضخمة التي شهدها قطاع النفط خلال السنوات الماضية، وأصبح قادرًا، من الناحية الفنية، على رفع إنتاجه إلى ما بين (6–7) ملايين برميل يوميًا خلال عامين إلى ثلاثة أعوام. ومن جهة أخرى، فإن قطاع النفط العراقي تعرض خلال الفترة 1980–2010 لخسائر كبيرة بسبب الحروب والعقوبات والاضطرابات الأمنية، ولم يتمكن من استعادة مستوى إنتاجه المسجل عام 1979 إلا في عام 2011، وهو ما أدى إلى فقدان العراق جزءًا مهمًا من حصته الإنتاجية لأسباب خارجة عن إرادته.
كما أن آلية توزيع الحصص داخل أوبك لا تعتمد على مستوى الإنتاج الحالي فقط، بل تأخذ في الاعتبار الطاقة الإنتاجية المستدامة، وحجم الاحتياطيات المؤكدة، وخطط التوسع المستقبلية، وأوضاع السوق العالمية، فضلًا عن الظروف الاقتصادية للدول الأعضاء. وبناءً على هذه المعايير، يمتلك العراق أساسًا تفاوضيًا قويًا للمطالبة برفع حصته، مستندًا إلى احتياطياته النفطية الضخمة، ونموه السكاني، وارتفاع احتياجاته التمويلية، وارتفاع سعر التعادل المالي مقارنةً بعدد من الدول الأعضاء.
ومن هذا المنطلق، فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في اعتماد برنامج تدريجي لزيادة الحصة الإنتاجية، بحيث ترتفع خلال ما تبقى من عام 2026 بنحو 300 ألف برميل يوميًا، ليصل الإنتاج إلى نحو 4.678 ملايين برميل يوميًا، ثم يزداد تدريجيًا ليبلغ نحو 5.4 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، أي بزيادة إجمالية تقارب 1 مليون برميل يوميًا خلال ثلاث سنوات. وتمثل هذه الزيادة، إذا نُفذت بالتنسيق مع أوبك، مسارًا يمكن للأسواق العالمية استيعابه دون إحداث اختلالات جوهرية في توازن العرض والطلب.
ويعزز هذا السيناريو استمرار نمو الطلب العالمي على النفط، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاعه بنحو (1.2) مليون برميل يوميًا سنويًا خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع تزايد الحاجة إلى إعادة بناء الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي تعرضت لاستنزاف ملحوظ خلال أزمة مضيق هرمز. وتشير التقديرات إلى أن الأسواق العالمية فقدت أكثر من مليار برميل من الامدادات خلال الفترة الممتدة من آذار/مارس إلى نهاية حزيران/يونيو، في حين انخفض المخزون النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة إلى نحو (330) مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983، كما جرى السحب من المخزونات النفطية الاستراتيجية العالمية بما يزيد على (400) مليون برميل. وتشير التقديرات إلى أن إعادة تكوين هذه المخزونات قد تمتد حتى ربيع عام 2030، الأمر الذي سيولد طلبًا إضافيًا على النفط الخام خلال السنوات المقبلة. وفي ضوء ذلك، فإن الزيادة التدريجية في الإنتاج العراقي، إذا ما نُفذت بالتنسيق مع منظمة أوبك، يمكن للأسواق استيعابها دون الإخلال بتوازن العرض والطلب أو التسبب في ضغوط هبوطية كبيرة على الأسعار، بما يحقق للعراق زيادة مستدامة في إيراداته النفطية دون الانزلاق إلى منافسة إنتاجية قد تقود إلى حرب أسعار جديدة.وفي ضوء ما تقدم، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتركز على خيار الانسحاب من أوبك، بل على كيفية تعظيم العائد الاقتصادي من الثروة النفطية العراقية. فامتلاك العراق طاقات إنتاجية مرتفعة يمثل ميزة استراتيجية، إلا أن تحويل هذه الميزة إلى إيرادات مستدامة يتطلب إدارة إنتاجية تتسم بالتدرج والتنسيق مع أوبك، بما يحقق التوازن بين زيادة الحصة الإنتاجية والمحافظة على استقرار الأسعار. ومن ثم، فإن التفاوض على رفع الحصة الإنتاجية، استنادًا إلى معايير موضوعية وحقوق العراق التاريخية واستثماراته النفطية، يمثل خيارًا أكثر كفاءة من الانسحاب، لأنه يجمع بين تعظيم الإيرادات، والحفاظ على استقرار الأسواق، وتعزيز الاستدامة المالية، بما يخدم المصالح الاقتصادية للعراق على المديين المتوسط والطويل.
