عندما تغيب "علوم المنزل".. تتفكك الأسرة (مقدمة في الاقتصاد المنزلي ) المدرس المساعد / احمد خماط صابر العسافي في زخم التطور الأ...
عندما تغيب "علوم المنزل".. تتفكك الأسرة (مقدمة في الاقتصاد المنزلي )
المدرس المساعد / احمد خماط صابر العسافي
في زخم التطور الأكاديمي والتخصصات العلمية الدقيقة التي اجتاحت جامعاتنا الجنوبية وفي بصرتنا الحبيبة، يغيب عن الساحة تخصصٌ كان يفترض أن يكون حجر الزاوية في بناء المجتمع المتوازن، إنه "الاقتصاد المنزلي" أو ما يُعرف بـ Home Economics. هذا المنهاج الفريد الذي لا يقتصر على تعليم الطهاة أو المصممين، بل هو مزيج معقد ومتكامل من العلوم البايولوجية والطبيعية والاجتماعية والإنسانية، صُمم ليكون مرشدًا عمليًا للإنسان في رحلته الأسرية منذ الولادة وحتى الشيخوخة.
لطالما نظرنا إلى الاقتصاد المنزلي على أنه مجرد حصة تدريبية في الطهي أو الخياطة، بينما هو في جوهره علمٌ متكامل يعنى بدراسة الأسرة بكل مقوماتها واحتياجاتها، في إطار المنزل والبيئة والمجتمع. إنه العلم الذي يجيب عن الأسئلة الوجودية الصعبة التي تواجه كل أسرة: كيف نجعل منزلنا مريحًا وسليمًا اقتصاديًا؟ كيف نُخطط للإنفاق لنعيش في جو يسوده التعاون والمحبة؟ كيف نُثقف أبناءنا غذائيًا وصحيًا ليكونوا جيلًا قويًا؟ إن غياب هذا العلم عن مناهجنا الأساسية وعن أولويات المؤسسات الأكاديمية والمجتمعية لم يكن مجرد إلغاء لمادة دراسية، بل كان هدمًا لجسر كان يربط بين المعرفة النظرية والحياة العملية. وهو الغياب الذي دفعنا إلى واقع مرير، باتت فيه الأسر تعاني من مشكلات مالية متكررة، وصراعات أسرية تتفاقم بسبب سوء التخطيط، وشبابًا يحمل همًا واحدًا هو "كيف أحصل على المال" دون أن يُسأل عن "كيف أنفقه بصورة سليمة"، وكأننا حكمنا على أنفسنا بدوام الفجوة بين الموارد المتاحة وجودة الحياة المستهدفة.
وبأختصار شديد ان الاقتصاد المنزلي، Home Economics) ) هومنهاج تدرس فيه علوم بايلوجية وطبيعية واجتماعية وانسانية تساعد الأشخاص على حل مشاكلهم من ناحية الغذاء والعلاقات العائلية. ويعني دراسة الأسرة واحتياجاتها ومقوماتها على مستوى المنزل والبيئة والمجتمع ، اذ يشمل الأمور المتعلقة بالأسرة وان ابرز مجالاته ، ، التغذية وعلوم الأطعمة ، الملابس والنسيج وإدارة المنزل واقتصاديات الأسرة .
ويهدف الاقتصاد المنزلي إلى عدة أمور منها
١- جعل المنزل مريحا ومناسبا من الناحية المعيشية
٢- سليما من الناحية الاقتصادية
٣- صحيا من الناحية الجسمية الفعلية
٤- متزن من الناحية البيئية الاجتماعية
و يهدف بالنتيجة إلى العيش في جو يسوده التعاون والمحبة والاحترام المتبادل ، فضلا عن تخطيط وترشيد الاستهلاك والإنفاق على مستوى الأسرة ، والتثقيف الغذائي لكافة الفئات العمرية ، وتنمية العادات الصحية والغذائية ، وتنمية الروح الاقتصادية والجمالية .
وان اغلب المشكلات الأسرية تنشأ لأسباب مالية ، وعدم المعرفة في كيفية التخطيط السليم في الإنفاق .
فضلا عن ان هموم اغلب الشباب ، ناتج من التفكير (كيف احصل على الموارد المالية ، وليس كيف انفق المال بصورة جيدة )
وفي الختام إن النداء الذي نطلقه لإعادة الاعتبار لعلم الاقتصاد المنزلي ليس دعوة للعودة إلى الماضي، بل هو رؤية مستقبلية لمواجهة أزمات راهنة. فالبيانات الاجتماعية تشير بوضوح إلى أن أغلب المشكلات الأسرية التي تنتهي بالتفكك أو الإحباط أو الأزمات النفسية تنشأ في جذورها من أسباب مالية بحتة، أو من سوء إدارة الموارد المتاحة، أو من غياب التثقيف الغذائي والاستهلاكي الذي يحمي الفرد والأسرة من التبعات الصحية والاقتصادية. حين نتجاهل تعليم أبنائنا فنون إدارة المنزل، وإعداد الميزانية، وفهم اقتصاديات الأسرة، فإننا نُخرجهم إلى الحياة وهم مسلحون بشهادات عليا لكنهم عاجزون عن إدارة أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.
لقد آن الأوان لتعيد وزارات التربية والتعليم العالي النظر في مكانة هذا العلم الحيوي، ليس فقط كمادة ترفيهية، بل كمتطلب أساسي لبناء مجتمع متماسك.
