Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE
latest

المقعد (٥٤)… حين يتحوّل الانتظار من مكانٍ مادي إلى سؤالٍ وجودي

  المقعد (٥٤)… حين يتحوّل الانتظار من مكانٍ مادي إلى سؤالٍ وجودي د. صلاح حمادي الحجاج    ليست حكاية «المقعد ٥٤» للكاتبة والفنانة التشكيلية (...

 



المقعد (٥٤)… حين يتحوّل الانتظار من مكانٍ مادي إلى سؤالٍ وجودي

د. صلاح حمادي الحجاج

   ليست حكاية «المقعد ٥٤» للكاتبة والفنانة التشكيلية (الهام الحجاج) حكايةً عن امرأة تنتظر دورها في عيادة، ولا حكايةً عادية عن علاقة زوجية أنهكها الزمن والخيانة والخذلان فحسب؛ فالرقم (54) الذي يبدو في ظاهره رقمًا عابرًا، لكنه يتحول تدريجيًا إلى علامة سردية كثيفة، تختزن معنى الانتظار بوصفه حالةً وجودية يعيشها الإنسان حين يغلق حياته على احتمالٍ مؤجل، أو شخصٍ غائب، أو إجابة يطول انتظارها ولا تأتي.

     فمنذ عتبة النص الأولى، تضع الكاتبة قارئها أمام مفهوم مختلف للانتظار. فـ«بوابة الانتظار ٥٤» ليست مكانًا مادياً محددًا، بل حالة معلقة بين قرار لم يُتخذ وشعور لم يُحسم. ولذلك يصبح الانتظار في الحكاية أكثر من عنصر في بناء الحكاية؛ إنه البنية العميقة التي تتحرك داخلها الشخصيات. فالإنسان قد ينتظر الآخر، لكنه في الحقيقة يؤجل نفسه. وهذا ما تؤكده الحكاية عندما تجعل الانتظار مساحةً نؤجل فيها ذواتنا على أمل التغيير الذي قد يأتي او لا يأتي.

     أبرز ما يلفت في الحكاية أن المرأة لا تظهر بوصفها شخصية خيالية منفردة، بقدر ما تظهر بوصفها ذاكرةً جمعية لنساء كثيرات يشتركن بنفس المصير؛ نساء أخفين وجعهن خلف الابتسامة، بالصبر حتى تحول الصبر عندهن إلى قدر. وهنا تنقل الحكاية المرأة من موقع الشخصية إلى موقع السؤال: لماذا الصبر؟ ولماذا يتحول الوفاء إلى استنزاف؟ وأين ينتهي الحب ويبدأ التعلق؟ وهنا تكمن إحدى نقاط قوة النص؛ إذ لا يكتفي بإدانة الرجل أو تبرئة المرأة، بل يحاول العودة إلى الجذر النفسي للسلوك. فالمرأة التي تتعلق برجل لا يمنحها الحب الكامل، لا تُقدَّم بوصفها ضعيفة أو ساذجة، وإنما بوصفها إنسانة تحمل جرحًا ربما يكون أقدم من العلاقة نفسها.

     وفي واحدة من أكثر المقاطع دلالة، تربط الحكاية تعلق المرأة بطفولتها وفقدان أبيها؛ فالأب الذي رحل في الحرب ترك فراغًا عاطفيًا ظل يبحث عن الامتلاء في الرجال الذين دخلوا حياتها لاحقًا. وحين تعثر على رسالة أبيها القديمة، تكتشف أن صورتها عن نفسها كانت قد تشوهت وهي تبحث عن بديل لذلك الغياب. وهنا يتحول السرد من حكاية زوجية إلى تحليل نفسي للذاكرة العاطفية.  إن السؤال الأهم الذي تطرحه الحكاية ليس: لماذا خان الرجل؟ وإنما: لماذا أحبت المرأة بطريقة تستنزفها؟ وهذه النقلة من إدانة الآخر إلى مساءلة الذات تمنح التجربة بعدها النقدي.

   تقدم الحكاية الحب لا بوصفه حالة رومانسية مكتملة، بل بوصفه علاقةً يمكن أن تتحول بمرور الوقت تدريجيًا إلى انتظار. المرأة تنتظر عودة الرجل، تنتظر اهتمامه، تنتظر اعتذاره، تنتظر أن يراها أحلى مما هي عليه ، وتنتظر أن تستعيد في عينيه صورتها عن نفسها.

لكن الحكاية تقلب المعادلة في لحظة حاسمة. حين تتوقف المرأة عن عادتها الازلية وهي (الانتظار.) تدخل إلى بيتها، ولا تعود إلى طقس الاستعداد القديم. لا شموع، ولا فستان، ولا هاتف تراقبه، ولا امرأة معلقة بعينها على الباب. إنها لا تبدأ المواجهة، ولا تعلن الحرب، ولا تصرخ، ولا تهدد بالرحيل، إنها فقط تتوقف عن التسول العاطفي ان صح الصف. وهنا يصبح الامتناع عن الانتظار فعلًا سرديًا أقوى حتى من المواجه. نفسها .

    الجملة التي تقولها للرجل: «لم أكن أنتظرك… كنت أنتظر نفسي» تختصر التحول الجوهري في الشخصية. فالمشكلة هنا لم تعد في غياب الرجل، وإنما في غياب المرأة عن ذاتها طوال سنوات الانتظار. وهنا يكتسب عنوان الحكاية دلالته الأعمق: المقعد ٥٤ ليس المكان الذي تنتظر فيه المرأة دورها، وإنما المكان الذي تنتظر فيه أن تستعيد نفسها.

     لا تتوقف الحكاية عند بوابة العلاقة الزوجية، بل تفتح فضاء الانتظار على حكايات أخرى داخل الحكاية وداخل المكان نفسه. فالفتاة السورية التي جاءت إلى المكان نتيجة الحرب والفقر وفقدان الأب، مثال واضح على انتقال النص من الخاص إلى العام. هذه الشخصية لا تدخل الحكاية بوصفها قصة حب جديدة، بل بوصفها نتيجةً للظروف الاجتماعية والسياسية التي تضيق فيها الخيارات حتى يصبح الإنسان مضطرًا إلى اختيار أقل الخيارات قسوة، بل عندما يصبح الانسان سلعة قابلة للبيع، فالحكاية نفسها تتوقف هنا لتؤكد أن الإنسان قد لا يختار دائمًا ما يريد، بل قد يختار ما يستطيع تحمله.

وبذلك يتحول «المقعد ٥٤» إلى مساحة تلتقي فيها حكايات مختلفة، لكن يجمعها شيء واحد، لا يمكن الهروب منه فكل شخصية تنتظر شيئًا، لكن السؤال هو متى يظهر؟

امرأة تنتظر زوجًا.... فتاة تنتظر دورها.... إنسانة تنتظر الخلاص.... لا شيء غير الانتظار 

     من أكثر الشخصيات إثارة للتأمل شخصية (سامر) ذلك الرجل الصامت الذي يبدو في البداية مجرد شخص عابر في فضاء العيادة، قبل أن تكشف الحكاية خلف صمته، ذلك الصمت الذي يحمل مأساة فقدان زوجته وطفليه في حادث. عندها يعاد تشكيل الشخصية في وعي الراوية والقارئ معًا. فالابتسامة التي بدت غامضة في البداية تصبح بعد معرفة الحكاية ابتسامةً مختلفة؛ ليست فرحًا، وإنما استراحة قصيرة من وجع لا ينتهي. وهنا تقدم الحكاية فكرة شديدة الأهمية: نحن نرى الوجوه فقط، لكننا لا نرى الحكايات التي تقف خلفها. وهنا يصبح الصمت في الحكاية لغةً موازية للكلام. فالشخصيات لا تقول كل شيء، وبعض أهم ما في الحكاية يحدث في المسافة بين ما تقوله الشخصيات وما تخفيه.

     ان اختيار فضاء الانتظار بوصفه إطارًا للحكاية اختيار موفق، لأنه يسمح بتعدد القصص دون أن يبدو هذا التعدد غريبًا عن البناء العام. فالعيادة ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما هي فضاء تتقاطع فيه حيوات أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا، ثم يتحولون للحظات إلى مرايا لبعضهم. ومن هنا يمكن قراءة الحكاية بوصفها سردًا للحكايات داخل الحكاية. فالراوية لا تروي حياتها وحدها؛ وإنما تستمع إلى الآخرين، تراقبهم، تتخيل دواخلهم، ثم تعيد تركيب حكاياتهم داخل وعيها. وهذا الأسلوب يجعل القارئ شريكًا في عملية التأويل، والفهم والتفسير، فهو مثل الراوية، يرى شخصًا غريبًا في كل يوم وفي أماكن مختلفة ويحاول أن يسأل: ماذا يخفي هذا الصمت؟ ما الذي حدث قبل هذه اللحظة؟ وما الحكاية التي لا نعرفها؟ 

    الزمن في الحكاية ليس زمنًا تقويميًا فقط، وإنما زمن نفسي. الساعة لا تقيس مرور الدقائق بقدر ما تقيس مقدار الانتظار. لذلك تتحول الدقائق إلى وحدات للألم، ويصبح الوقت نفسه قوةً تملك الإنسان بدل أن يمتلكها الإنسان. وهنا تقدم الحكاية واحدة من أكثر أفكارها الفلسفية وضوحًا. الانتظار ليس غياب الفعل، بل فعل يستنزف الإنسان من الداخل. فالشخص الذي ينتظر لا يكون ساكنًا تمامًا. إنه يعيش داخل احتمالات لا تنتهي، ويعيد بناء الماضي، ويتخيل المستقبل، ويراقب الحاضر وهو يبتعد. ومن ثم فإن الانتظار في «المقعد ٥٤» يمكن قراءته بوصفه زمنًا نفسيًا معلقًا، زمنًا لا يتحرك إلا حين تتخذ الشخصية قرارًا.

     تعتمد الحكاية لغة وجدانية واضحة، تقوم على الجمل القصيرة، والتكرار، والاستفهام، والوقفات، وكثرة علامات الحذف. وهذه العناصر لا تؤدي وظيفة زخرفية فحسب، وإنما تنسجم مع طبيعة عالم الحكاية القائم على التردد والانقطاع والصمت. كما أن كثرة الأسئلة داخل النص تكشف أن الحكاية لا تريد تقديم إجابات نهائية بقدر ما تريد إنتاج الأسئلة. ولهذا تتكرر أسئلة من قبيل: لماذا نحب؟ لماذا ننتظر؟ هل نحن ضحايا ظروفنا أم شركاء في صناعتها؟ وهل يمكن للإنسان أن يبدأ حياة مختلفة من دون أن يواجه ماضيه؟ وبذلك تتحول اللغة من وسيلة لنقل الأحداث إلى أداة للتأمل والتفكير المستمر .

    لا تقدم الحكاية انتصارًا تقليديًا. لا تنتهي المواجهة بصرخة، ولا بعقاب واضح، ولا بانتصار طرف على آخر. بل إن القرار نفسه يظل مفتوحًا، فالبيت هادئ، والباب مغلق، لكن القرار لم يُكتب بعد. وهذا الانفتاح مهم، لأن التحول الحقيقي ليس في ترك الرجل، وإنما في توقف المرأة عن اختزال قيمتها في علاقتها به. إنها لا تصبح قوية لأنها غادرت، بل لأنها أدركت أنها كانت غائبة عن نفسها. وهنا تتجاوز الحكاية خطاب «المرأة المظلومة» إلى خطاب أكثر تعقيدًا، المرأة التي تستعيد حقها في أن تكون ذاتًا مستقلة عن نظرة الآخر إليها.

     في النهاية، يبدو أن الرقم (٥٤) ليس رقمًا روائيًا عابرًا. إنه عتبة. وكل عتبة في الحكاية تحمل احتمالين: اما ان نبقى واقفين وننتظر، أو أن نتجاوز ونعبر. ولهذا فإن القيمة الأهم في «المقعد ٥٤» ليست في الحكايات التي ترويها فقط، وإنما في قدرتها على جعل القارئ يسأل عن مقعده الشخصي، وأي رقماً يحمل؟ وماذا ينتظر؟ ومن ينتظر؟ وما مدة هذا الانتظار؟ 

       الحكاية تقول إن الانتظار قد يبدأ بوصفه أملًا، لكنه إذا طال قد يتحول إلى طريقة في تأجيل الذات. ولهذا فإن الخلاص لا يبدأ دائمًا بوصول الشخص الذي ننتظره، بل قد يبدأ في اللحظة التي ندرك فيها أننا لم نعد بحاجة إلى انتظاره. «المقعد ٥٤» إذن ليس مقعدًا في غرفة انتظار؛ إنه صورة للإنسان حين يعلّق حياته على بابٍ مغلق، ثم يكتشف، متأخرًا، أن الباب الذي كان ينتظر أن يُفتح من الخارج كان عليه ان يفتح اولاً من الداخل.