المحامية فاطمة الجندي يُعد التحقيق الإداري الركيزة الأساسية والضمانة الجوهرية التي تستند إليها الإدارة العامة للتحقق من المخالفات الوظيفية ...
المحامية فاطمة الجندي
يُعد التحقيق الإداري الركيزة الأساسية والضمانة الجوهرية التي تستند إليها الإدارة العامة للتحقق من المخالفات الوظيفية المنسوبة إلى الموظفين، بغية حماية المال العام وضمان انتظام سير المرافق العامة باطّراد، مع كفالة حماية حقوق الموظف ومنع التعسف الإداري ضده. وفي النظام القانوني العراقي — ولا سيما في ظل قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991 المعدل والقوانين الإدارية ذات الصلة — يخضع التحقيق الإداري لمجموعة صارمة من الأسس الشكلية والموضوعية التي لا غنى عنها؛ إذ يبدأ الإجراء بضرورة تشكيل لجنة تحقيقية مختصة أو تعيين محقق بقرار إداري رسمي يتسم أفراده بالحيادية والنزاهة والخبرة اللازمة لتقصي الحقائق والبحث في أدلة الإدانة والبراءة على قدم المساواة ودون أي تحيز مسبق.
استناداً إلى الخبرة التخصصية المكتسبة والاعتماد المهني الصادر عن معهد رانك للتدريب والاستشارات (Rank Training and Consulting) بالتعاون مع مركز التطوير الاستراتيجي الأكاديمي، فإن إدارة التحقيق الإداري الناجح تتجاوز مجرد استيفاء الإجراءات الشكلية إلى الفحص الدقيق للأركان الموضوعية للمخالفة الانضباطية، والربط المحكم بين الفعل المنسوب والنتائج المترتبة عليه وفق القواعد العامة لإثبات المسؤولية الإدارية والقيود الجزائية ذات الصلة. يتطلب القانون أن يكون التحقيق تحريرياً (كتابياً) ومحاطاً بسريّة تامة تضمن حماية سمعة الموظف وكرامته وتحفظ الأدلة من العبث أو التأثير الخارجي، مروراً بتدوين كافة أقوال الموظف المحقق معه، والشهود، والخبراء في محاضر رسمية دقيقة تُثبت فيها الوثائق والمستندات ذات الصلة. كما يُشترط التزام تام بمبدأ المواجهة وحق الدفاع كأحد أهم المبادئ الدستورية والقانونية؛ حيث يتعين إعلام الموظف بالتهم المنسوبة إليه بياناً دقيقاً، ومنحه المهلة والفرصة الكاملة لتقديم دفاعه وأدلته وشهود النفي، فضلاً عن حظر توقيع العقوبات الانضباطية الجسيمة (كالعزل، أو الفصل، أو تنزيل الدرجة) دون إجراء هذا التحقيق الأصولي والمواجهة القانونية، وصولاً إلى إصدار قرار مسبب يتناسب حجماً ونوعاً مع المخالفة المرتكبة وفقاً لمبدأ شرعية العقوبة والتدرج الانضباطي، مع الأخذ بنظر الاعتبار القيود الجزائية عند وجود دعوى جزائية مقترنة بنفس الوقائع، واحتفاظ الموظف بحقه القانوني في الطعن بقرارات العقوبة أمام محاكم القضاء الإداري خلال المدة المحددة قانوناً، لضمان رقابة القضاء على مشروعية القرار الإداري والتأكد من استيفائه لكافة الضمانات التي كفلها القانون للموظف وعدم انحراف الإدارة في استعمال سلطتها التقديرية.
