بقلم: المحامية فاطمة الجندي تستقر في الأذهان غالبًا قناعةٌ مجردة مفادها أن أحكام الحضانة وفق التطبيقات المعاصرة للمذهب الجعفري والقوانين...
بقلم: المحامية فاطمة الجندي
تستقر في الأذهان غالبًا قناعةٌ مجردة مفادها أن أحكام الحضانة وفق التطبيقات المعاصرة للمذهب الجعفري والقوانين ذات الصلة، تتسم بحتمية انتقال الحضانة إلى الأب فور انتهاء المدة المقررة شرعًا أو بمجرد بلوغ المحضون سن الرشد؛ غير أن القراءة الدقيقة والعميقة لمنظومة القضاء والقرارات التمييزية الصادرة عن المحاكم المختصة تثبت أن هذا الانتقال ليس إجرائياً طردياً أو حتمية مطلقة، بل إن الأحكام القضائية باتت تتعامل مع الملف بمرونة قوامها تقديم "المصلحة الفضلى للمحضون" على ما سواه. فالحضانة في جوهرها المقاصدي ليست مجرد حق شكلي متبادل بين الأبوين، بل هي بالدرجة الأولى تدبير رعاية وحماية لضمان نشأة سليمة لمن لا يستقل بأموره، وهو ما فتح الباب أمام اجتهادات قضائية تمييزية ترجح إبقاء المحضون مع أمه حتى بعد بلوغه أو انتهاء السن المحددة، متى ما اقتضت الضرورة ذلك.
وفي تفصيل ذلك، كشفت القرارات التمييزية عن استثناءات معتبرة تعطي القاضي سلطة تقديرية واسعة للإبقاء على المحضون لدى الأم إذا ثبت أن في نقله ضرراً بيناً؛ ويأتي في مقدمة ذلك الوضع النفسي والصحي للمحضون، حيث تشترط المحاكم الاستعانة بالتقارير الطبية والباحثين الاجتماعيين للتأكد من مدى جاهزيته للنقل، فإذا بيّنت الفحوصات أن فصله عن البيئة التي نشأ فيها سيعرضه لصدمة أو انتكاسة سلوكية ونفسية، يُحكم فوراً ببقائه مع أمه إعمالاً لقاعدة درء الضرر. ولا يقتصر الأمر على الجانب النفسي الفردي، بل يمتد ليشمل رابطة الإخوة والأشقاء؛ إذ تحرص القرارات القضائية على عدم تشتيت الأسرة وتفريق الإخوة عن بعضهم البعض، فإذا كان شمل الأبناء مجتمعاً لدى الأم، فإن المحكمة تتجه نحو الحفاظ على هذه البيئة الجامعة لضمان الاستقرار العاطفي والاجتماعي لكافة الأبناء دون التضحية بأحدهم.
وبناءً على هذه المعطيات، يتضح أن المفهوم الحديث لتطبيق الأحكام الفقهية والجعفرية في أروقة المحاكم لم يعد يقف عند ظواهر النصوص أو التحديدات العمرية الصارمة فحسب، بل يستند إلى قواعد فقهية أعمق تُعنى بـ المصلحة العقلاءية وإزالة الضرر. إن هذه القرارات التمييزية تؤكد أن سن الرشد أو البلوغ ليس مقصلة تُقطع بها علاقة المحضون بأمه، بل هو محطة يُعاد فيها تقييم الأمان والسلامة النفسية والاجتماعية للشاب أو الفتاة؛ لتظل الأم—متى ما كانت هي البيئة الآمنة والحاضنة الحقيقية—هي الملجأ الأول والخيّار الأرجح قضائياً، مما يكرس رؤية قضائية إنسانية تجعل الاستقرار النفسي والأسري هو المقياس الأول والأخير في حسم نزاعات الحضانة.
